عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
46
اللباب في علوم الكتاب
نصب كان صوابا ، وقال أبو البقاء : « ويجوز النّصب في الكلام ، أي : فقد خالطتم إخوانكم » . فصل في بيان وجوه المخالطة في هذه المخالطة « 1 » وجوه : أحدها : المراد بالمخالطة في الطّعام ، والشّراب ، والسّكنى ، والخدم ؛ لأن القوم ميّزوا طعامهم ، وشرابهم ، ومسكنهم عن طعام اليتيم ، وشرابه ، وسكنه فأمرهم اللّه تعالى بخلط الطّعامين والشّرابين ، والاجتماع في السّكن الواحد كما يفعله المرء بمال ولده ، فإنّ هذا أدخل في حسن العشرة والمؤالفة . الثاني : المراد بهذه المخالطة أن ينتفعوا بأموالهم بقدر ما يكون أجرة المثل في ذلك العمل . والقائلون بهذا القول ، منهم من جوّز ذلك سواء كان القيم غنيّا ، أو فقيرا ، ومنهم من قال إن كان القيم غنيا لم يأكل من ماله ؛ لأن ذلك فرض عليك وطلب الأجرة على العمل الواجب لا يجوز ، واحتجوا بقوله : وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ [ النساء : 6 ] وإن كان القيّم فقيرا قالوا : يأكل بقدر الحاجة ، ويرده إذا أيسر فإن لم يوسر تحلله من اليتيم . وروي عن عمر أنّه قال : أنزلت نفسي من مال اللّه بمنزلة وليّ اليتيم إن استغنيت استعففت ، وإن افتقرت أكلت قرضا بالمعروف ثمّ قضيت « 2 » . وعن مجاهد : إذا كان فقيرا ، وأكل بالمعروف ، فلا قضاء عليه « 3 » . الثالث : أنّ المراد بهذه « المخالطة » المصاهرة بالنّكاح ، وهو اختيار أبي مسلم « 4 » قال : لقوله : وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ [ النساء : 3 ] وقوله : وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ [ النساء : 127 ] وهذا القول راجح على غيره من وجوه « 5 » : أحدها : أنّ هذا خلط لليتيم نفسه ، والشّركة خلط لماله . وثانيها : أنّ الشّركة داخلة في قوله : « قل إصلاح لهم خير » ، والخلط من جهة النّكاح ، وتزويج البنات منهم لم يدخل في ذلك فحمل الكلام على هذا الخلط أقرب .
--> ( 1 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 45 . ( 2 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 216 ) وعزاه لعبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن سعد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا والنحاس في ناسخه وابن المنذر من طرق عن عمر بن الخطاب . ( 3 ) ذكره السيوطي في « الدر المنثور » ( 2 / 216 ) وعزاه لابن أبي حاتم عن مجاهد . ( 4 ) ينظر : تفسير الفخر الرازي 6 / 45 . ( 5 ) ينظر : المصدر السابق .